الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

107

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

معاملاتهم فينشأ عنها التحاسد ، وهو أوّل ذنب عصي اللّه به ، إذ حسد إبليس آدم ، ثم ينشأ عن الحسد الغيظ والغضب فيفضي إلى أذى المحسود ، وقد قال تعالى : وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ [ الفلق : 5 ] . وكان سبب أوّل جريمة في الدنيا الحسد : إذ حسد أحد ابني آدم أخاه فقتله ، ثم إنّ تمنّي الأحوال المنهي عنها ينشأ في النفوس أوّل ما ينشأ خاطرا مجرّدا ، ثم يربو في النفس رويدا رويدا حتّى يصير ملكة ، فتدعو المرء إلى اجترام الجرائم ليشفي غلّته ، فلذلك نهوا عنه ليزجروا نفوسهم عند حدوث هاته التمنّيات بزاجر الدين والحكمة فلا يدعوها تربو في النفوس . وما نشأت الثورات والدعايات إلى ابتراز الأموال بعناوين مختلفة إلّا من تمنّي ما فضّل به اللّه بعض الناس على بعض ، أو إلّا أثر من آثار ما فضّل اللّه به بعض الناس على بعض . وقوله : بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ صالح لأن يكون مرادا به آحاد الناس ، ولأن يكون مرادا به أصنافهم . وقوله : لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا الآية : إن أريد بذكر الرجال والنساء هنا قصد تعميم الناس مثل ما يذكر المشرق والمغرب ، والبر والبحر ، والنجد والغور ، فالنهي المتقدّم على عمومه . وهذه الجملة مسوقة مساق التعليل للنهي عن التمنّي قطعا لعذر المتمنّين ، وتأنيسا بالنهي ، ولذلك فصلت ؛ وإن أريد بالرجال والنساء كلّا من النوعين بخصوصه بمعنى أنّ الرجال يختصّون بما اكتسبوه ، والنساء يختصصن بما اكتسبن من الأموال ، فالنهي المتقدّم متعلّق بالتمنّي الذي يفضي إلى أكل أموال اليتامى والنساء ، أي ليس للأولياء أكل أموال مواليهم وولاياهم إذ لكلّ من هؤلاء ما اكتسب . وهذه الجملة علّة لجملة محذوفة دلّت هي عليها ، تقديرها : ولا تتمنّوا فتأكلوا أموال مواليكم . والنصيب : الحظّ والمقدار ، وهو صادق على الحظ في الآخرة والحظّ في الدنيا ، وتقدّم آنفا . والاكتساب : السعي للكسب ، وقد يستعار لحصول الشيء ولو بدون سعي وعلاج . و ( من ) للتبعيض أو للابتداء ، والمعنى يحتمل أن يكون استحقّ الرجال والنساء كلّ حظّه من الأجر والثواب المنجرّ له من عمله ، فلا فائدة في تمنّي فريق أن يعمل عمل فريق آخر ، لأنّ الثواب غير منحصر في عمل معيّن ، فإنّ وسائل الثواب كثيرة فلا يسوءكم النهي عن تمنّي ما فضّل اللّه به بعضكم على بعض . ويحتمل أنّ المعنى : استحقّ كلّ شخص ، سواء كان رجلا أم امرأة ، حظّه من منافع الدنيا المنجرّ له ممّا سعى إليه بجهده ، أو الذي هو